الصور والأيقونات في الكنيسة

بين مؤيد ومعارض
مينا ميشيل ل. يوسف

مقدمة:

إن الجدال حول الأيقونات [وهي كلمة يونانية تعني الصورة أو الرسم[1]]، لا يزال قائماً منذ عصور خلت وحتى اليوم. فالآراء المسيحية منذ العصر الرسولي مروراً بالعصور الوسطى وحتى بزوغ فجر الإصلاح، لا تزال منقسمة فيما بينها بين مؤيدين ورافضين لاستخدام الأيقونات في العبادة. وبين هذا وذاك نجد العديد من الإثباتات التي يقدمها كل فريق منهما. وفي هذا البحث، يحاول الباحث الإجابة على التساؤلات التالية:
ما هي مدى أهمية التمسك بالأيقونات في العبادة؟ وما هي مدى خطورة ذلك على المسيحي؟ هل يمكن للأيقونات أن تقدم لنا تعليماً صحيحاً متكاملاً عن الله؟ هل يتفق وجود الأيقونات مع الوصية الثانية من الوصايا العشر؟ لماذا تبخر وتسجد بعض الكنائس للأيقونات؟ وغيرها الكثير من التساؤلات التي يحاول الباحث عبر هذا البحث الإجابة عليها.
  
المدرسة الأولى: المدافعين عن الأيقونات في العبادة:

أولاً: أهمية التمسك بالأيقونات في العبادة:
تؤمن هذه المدرسة وتدافع عن استخدام الأيقونات في العبادة، وهي ترى عدة أسباب مفيدة من شأنها تجعلها شديدة التمسك بها، منها:

[1] التعليم:
يعد هذا من أهم أسباب التشديد على أهمية وجود أيقونات في الكنائس والبيوت المسيحية؛ إذ أن الصور تغني عن ألف كلمة وتقرب المشهد العسر الإدراك للذهن البشري بسلاسة. كما أنها تعتبر وسيلة تعليمية خاصة لغير المتعلمين، العاجزين عن قراءة الكلمة المقدسة[2]. فوضع الأيقونات المختلفة في الكنيسة التي تمثل مراحل حياة السيد المسيح المختلفة منذ تجسده حتى قيامته، يساعد الموعوظين على التعلم، وعلى أن تظل هذه المشاهد حاضرة أمام أعينهم دائماً. فالأيقونة –كما قال عنها الأب متى المسكين- "كالكتابة تستحضر إلى أذهاننا ابن الله بسهولة"[3]! وأيضاً كتب البابا شنودة الثالث عن الأيقونات يقول: "قد تترك الأيقونة تأثيراً عميقاً في النفس أكثر مما تتركه العظة أو القراءة او مجرد الاستماع"[4]. ويخبرنا كتاب "التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية" عن أهمية الأيقونات بقوله:
"الفنون الجميلة ولا سيما الفن المقدس تهدف بطبيعتها إلى نوع من التعبير [في الأعمال البشرية] عن الجمال الإلهي اللامحدود. وقد انقطعت إلى حمد الله وتمجيده بقدر ما انحصر همها في أن تؤدي بأعمالها إلى توجيه نفوس البشر إلى الله على أوسع وجه"[5].

[2] التأثير النفسي والتشجيع على العبادة:
كما يرى أصحاب هذه المدرسة، أن للأيقونات تأثيراً على أنفس مشاهديها، فحين يرى شخصاً أيقونة لإحدى معجزات المسيح أو لموته الكفاري، لا يسعه إلا أن يقدم عبادة وسجود له. فالفن المقدس الحقيقي يحمل الإنسان على العبادة والصلاة ومحبة الله الخالق والمخلص القدوس والمقدس[6]. وفي هذا الصدد كتب المطران الكسندروس يقول: "من النظر إلى الصورة يمكن الارتفاع بالعقل والقلب إلى صاحبها المرسوم عليها ذاته"[7].

[3] التواصل مع صاحب الأيقونة وإكرامها:
حينما صدر مرسوم الامبراطور لاون الايسافري (في القرن الثامن) الذى دعى إلى عدم السجود للأيقونات، ظهر يوحنا الدمشقي ليدافع عن الأيقونات[8]، ويعتبر من أهم المدافعين عنها وحججه التي قدمها لاتزال هي المستخدمة حتى  هذا اليوم من مؤيدي هذه المدرسة[9]. ومن أشهر كلماته عن الأيقونات قوله: "حيث تكون العلامة، يكون أيضاً صاحب الصورة"[10]. فالأيقونة –كما قال المطران بيشوي- هي وسيلة اتصال مع صاحب الأيقونة[11]! فوجودها هو وسيلة ممتازة للإتصال الدائم بالقديسين، الذين لا يبقون أناساً من الماضي السحيق، بل يصبحون معاصرين لنا وأصدقاء شخصين لكل مؤمن؛ على حد قول أنطونيوس آليفيزوبولوس[12]!
وبما أن الأيقونة هي وسيلة إتصال مع صاحبها، لذا فاحترام الايقونات يعود إلى الأشخاص المصورين عليها، وهذا الاحترام يعبر عنه بالورع والسجود والصلاة للشخص المصور على الأيقونة[13]، والتبخير؛ الذي –بحسب اعتقادهم- ليس عبادة، لكنه شركة للصلاة (رؤ8:5) بين العابد وصاحب الأيقونة، وهذه الشركة يعبرون عنها بهذا التبخير[14]. كما أن إكرام الأيقونات يعود لأمر آخر غاية في الأهمية وهو:
"الأيقونات [الموضوعة في الكنائس] أجري لها طقس صلاة خاص يسمى بصلاة التكريس، حيث تدهن بزيت الميرون وينفخ فيها نفخة الروح القدس من فم الأسقف، ليحل فيها ويعمل بها للشفاء واستجابة الصلاة.. وبذلك يجب السجود والتوقير وتقديم البخور والعبادة لشخص الله فيها"[15].
فمنذ لحظة تدشين اليقونة بالميرون يصبح لها تكريم خاص[16]، وأثناء تدشينها يصلون قائلين: "لتكون ميناء خلاص لكل من يلجأ إليها بالإيمان"[17]!

ثانياً: الأدلة على صحة استخدام الأيقونات في العبادة:

[1] الرب لم يرفض اليقونات بشكل مطلق:
ترى هذه المدرسة أن الله بقوله لموسى: "لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الارض من تحت وما في الماء من تحت الارض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن لاني انا الرب الهك اله غيور" (خر4:20-5)، لم يرفض الأيقونات بشكل مطلق. لكنه رفض صنع آلهة الأمم أو عبادتها[18]. فالهدف من التحريم هنا هو "لا تسجدن لهن ولا تعبدهن"، فإن كان غرض المسيحيين اليوم بعيداً تماماً عن العبادة، فلا تكون الوصية قد كسرت[19]! فلقد منعت عبادة الأصنام، لكن الرموز والأدوات والوسائل المستعملة في عبادة الله لم تمنع، لأن الشعب لا يعبدها أو يكرمها لذاتها، أي بالاستقلال عن علاقتها بالله الحي الذي يعود العبادة إليه وحده[20]. والدليل على ذلك، أن الله الذي أمر موسى ألا يصنع له صورة أو تمثال، هو نفسه الذي أمره بأن يصنع حية من نحاس (عد8:21)، وكاروبيم من ذهب فوق غطاء تابوت العهد (خر17:25-22)[21]. ويعلق على ذلك المطران بيشوي بقوله: "فكل من كان يسجد في الهيكل كان يسجد في وجود الكاروبيم، فهل في هذا السجود كان أحداً يعبدهم؟"[22]. وزاد سليمان بأن جعل المرحضة تقوم على رؤوس تماثيل اثني عشر ثوراً من نحاس وحافتها مزينة على شكل زهرة السوسن[23]. وأشكال مختلفة لعشرة أبقار نحاسية، وتماثيل أسود وتماثيا أخرى منقوشة[24]. جميع حوائط هيكل سليمان في مستديرها، رسمها ىنقشاً بنقر كاروبيم ونخيل وبراعم زهور من داخل وخارج (1مل29:6و32و35)[25]. وإجمالاً لما سبق، كتب أحد رهبان دير القديس مقار يقول:
"هكذا نستدل بغاية الوضوح أن التماثيل والصور والنقوش بكافة أنواعها ورموزها ومدلولاتها، كانت جزءاً لا يتجزأ من العبادة الطقسية"[26].

[2] التجسد وعلاقته بتصوير ابن الله:
تعد هذه النقطة الركيزة الأساسية لإثبات نظريتهم، وهي أن الله حرم أي تصورات بشرية عن شخصه في العهد القدي، ولكن الأمر مختلف في العهد الجديد؛ إذ أتاح التجسد الفرصة لظهور الفن الديني التصويري، إذ أصبح بالإمكان تصوير الله[27]. أو بحسب كلمات يوحنا الدمشقي:
"في الحقبة القديمة لم يكن تصوير الله ممكناً، لأنه لم يكن قد اتخذ جسداً أو شكلاً. أما الآن، بعدما ظهر الله بالجسد وعايش البشر، فإنني أصور الله الذي يمكنني أن أراه، والذي أصبح مادة من أجلي. ولن أنقطع عن احترام المادة التي اكتمل بها خلاصي"[28].

المدرسة الثانية: رافضوا الأيقونات في العبادة:

أولاً: أهمية رفض الأيقونات في العبادة:
[1] التعليم:
ترى هذه المدرسة أن استخدام الأيقونات في التعليم، ليس هو الطريقة التي وضعها الرب بحسب كلمته المقدسة. ففي العهد القديم نجد طريقة الرب لتعليم شعب إسرائيل الذي أغلبه لم يكن يجيد القراءة والكتابة، وهي أنه نشر اللاويين في كل بقاع المملكة بهدف تعليم الشعب وتحفيظهم كلمته المقدسة (تث8:33-10). أما عن التعليم في العهد الجديد فقد كتب عن ذلك "جان كالفن" يقول:
"الرب جعل الوعظ بالكلمة وممارسة الإفخارستيا والمعمودية هي سبل التعلم في العهد الجديد.. فبولس يخبرنا فبأنه بالكرازة الحقيقية بالإنجيل، يرسم المسيح أمام عيوننا مصلوباً (غل1:3)[29]!".
وذات هذه الكلمات نادى بها قبل "جان كالفن"، الأمبراطور "قسطنطين كبرونيم" في مجمع بالقسطنطينية سنة 754م بأن إكرام الايقونات هو عبادة اوثان، وأن صورة المسيح المخلص الوحيدة في الكنيسة يجب أن تكون هي في الافخارستيا[30]!

 [2] تشويه مجد الله:
استكمالاً للنقطة السابقة، يمكننا أن نقول ذات ما قاله "جان كالفن" المصلح البروتستنتي الشهير- أن كل ما تقدمه الأيقونات من تعليم إنما هو خاطيء وبلا جدوى[31]!! فكما قال "ج. فوس" أن كثيرين استقوا أفكارهم ومعتقداتهم عن يسوع المسيح من خلال الأيقونات، بدلاً من الكتاب نفسه"[32]! تلك الأيقونات التي تدعم الفكر الليبرالي والأريوسي حيث التركيز على إنسانية المسيح عوضاً عن أنه إنسان وإله في آن واحد؛ إذ أن الأيقونات عاجزة عن إظهار مجد لاهوت المسيح! كما إنها كثيراً ما تركز على المسيح الوديع المسكين المحب، متغافلة إظهاره كالمنتصر والعادل والغاضب! وإجمالاً لذلك نقتبس بعض مما كتبه المصلح "جان كالفن" في كتابه "أساسيات الإيمان المسيحي":
"إن خيال الرسامين يشوه مجد الله، إذ أنه يصور الغير مادي بصورة مادية، والغير مرئي بصورة مرئية.. والغير محوى في قطعة تافهة من الخشب أو الذهب!.. فكل تصور البشر عن الله أنما هو خيال باهت.. وكل أنماط العبادة البشرية [البعيدة عن الوحي المقدس] أنما هي مكروهه ومرفوضة"[33].
فكل الشعوب من حولنا حين أرادت أن تصور آلهتها على أشكال بشرية، تلقتئياً عكست كل ضعفاتها البشرية إلى الآلهة التي ترمز إليها صورها وتماثيلها[34]!! كما أن اليقونات قادرة على أعطاء انطباع خاطيء للنفوس الحزينة حين تشخص لها؛ إذ ترى أن لديها أفواه وعيون وآذان وأرجل؛ ورغم ذلك فهي لا تتكلم ولا ترى ولا تسمع ولا تمشي!"[35].

[3] خطورة الإنزلاق نحو الوثنية:
ترفض هذه المدرسة استخدام الأيقونات في العبادة، لأنها تؤدي تدريجياً إلى عبادة هذه الأيقونات[36]! فحتى رغم قبول بعض المصلحين البروتستنت الأيقونات، إلا إنهم يصرون على ألا تستخدم هذه الأيقونات في العبادة، ولكن فقط في التعليم[37]؛ إذ أنهم يرفضون أي أسلوب عبادة لم يؤسسه الله في كلمته المقدسة[38]. وهكذا صرح قديماً القديس "أكليمندس الإسكندري" بوضوح قائلاُ: "الأعمال الفنية لا يمكن أن تكون مقدسة أو إلهية"[39].
وللأسف يعتقد كثيرين أن المسيحية اليوم في مأمن من الوثنية التي أضحت من خرافات الماضي البعيد، إذ أنه يخال لهم أن الوثنيين كانوا يعبدون التماثيل. ولكن كما قال أحد رهبان دير القديس مقار:
"الشعوب الوثنية على مر العصور لم تكن تعبد اليقونات والتماثيل في حد ذاتها، ولكنهم  كانوا يعتقدون أن هذه الصور المجسمة يستخدمها الإله وسيلة لاستعلان ذاته. فرغم أنهم لم يكونوا يعتقدون في هذه التماثيل ذاتها أنها الآلهة، إلا إنها كانت ترفع إلى مستوى التأليه بسبب الآلهة التي حلت فيها"[40].
فمن صميم العبادات الوثنية -كما يقول "د. عبد الحليم نور الدين"- أنه من خلال طقوس (صلوات) معينة يحدث اتصال ما بين المعبود في السماء وتمثاله على الأرض[41]. ويتساءل الباحث، أليس هذا هو ذات المنطق الذي يتبناه مؤيدي استخدام الأيقونات في العبادة؟! أليست هذه هي ذات الحجج؟! فكيف لنا كمسيحيين نعبد الله الحي بذات المنطق وذات الحجج الوثنية؟! في حين أنه إذا كان استخدام الأيقونات في العبادة أمراً جوهرياً، لصرح الرب بوضوح عنه في وحيه المقدس؛ ولكن هذا لم يحدث!
كما أن رافضوا استخدام الأيقونات في العبادة يرفضوها فقط لأجل أمر آخر أكثر خطورة؛ ذكره المصلح الإنجيلي "جان كالفن" في كتابه "أساسيات الإيمان المسيحي" قائلاً:
"متى صور الإنسان الله في صورة، هناك أيضاً سيعبده وكأنه هناك.. فلا فرق بين عبادة  صورة، وعبادة الله في صورة.. فالقلب البشري هو مصنع دائم للأوثان!"[42].
فما أخدع قلب الإنسان الذي حول الحية النحاسية من أداة ووسيلة استخدمها الله لشفاء شعبه (عد9:21)، إلى هدف يضعون فيه إيمانهم ويوقدون له؛ مما إضطر حزقيا الملك إلى سحقها (2مل4:18)! وما أخدع قلب الإنسان الذي في وقت ضعفه ينصرف سريعاً عن العلاقة المباشرة مع الله الحي، ويلتجيء إلى أفود جدعون ليتعبدوا ويتباركوا به (قض27:8)! فقلب الإنسان دائم البحث عن أوثان يملأ بها فراغات قلبه، منقباً عن آبار لا تضبط ماء يروي بها ظمأه (إر13:2)! لذلك كتب العلامة "أوريجانوس" يقول أن: "صناعة الصور هو فن يجذب انتباه الحمقى! أنه يجذب لأسفل عيون النفس من على الله إلى الأرض!"[43]. لذا فلا عجب أيضاً أن نجد "يوسابيوس القيصري" يرى في إكرام صور المسيح والقديسين، أنه من عادات الأمم[44].

ثانياً: الأدلة على صحة عدم استخدام الأيقونات في العبادة:

[1] الرب رفض اليقونات بشكل مطلق:
على صفحات الوحي المقدس، نجد إصرار الرب بألا ترسم له صورة أو ينحت له تمثالاً، وأشهر تلك المقاطع هي الوصية الثانية من الوصايا العشر التي تقول: "لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الارض من تحت وما في الماء من تحت الارض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن لاني انا الرب الهك اله غيور" (خر4:20-5). فهذه الآيات تشير بشكل قاطع، إلى رفض الله أن تكون الصور هدف للعبادة، سواء كانت هذه الصور لله الحي الحقيقي أو لأي آلهة مزيفة أخرى[45]. ويؤكد ذلك القديس "أكليمندس الإسكندري" بقوله:
"أمر موسى بشكل صريح أنه لا يجب صنع منحوتات أو مصهورات أو مصبوبات ولا رسومات. هذا كان بهدف ألا نتشبث بأمور حسية، حتى نعبر إلى الأمور الروحية"[46].
وإجمالاً للقول نورد ما قاله المصلح "جان كالفن" عن الله أنه:
"لم يقبل الصور المفيدة ورفض الغير مفيدة، لكنه بدون أي استثنائات رفض تمثيله وتصويره بشكل قاطع.. فأياً كانت التماثيل والصور التي تمثل الله، فجميعها غير مسر له، إذ أنها تهين مجده"[47]!
أما بخصوص كون أن الله أمر موسى بصنع كاروبيم (خر17:25-22)، فيجب ألا ننسى أنهما لم يكونا أشياء تقدم لها أي نوع من الإكرام أو العبادة، كما أنها لم تصنع لتصور الله، بل صنعت لتكون عرشاً لوجود الله غير المرئي فوقهم[48]. وليس رفض الله القاطع للصور والتماثيل أمراً خاص بالعهد القديم فقط، فالرسول بولس كتب عن ذلك قائلاً: "فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان" (أع29:17). كما أننا نجد أيضاً الرسول يوحنا لا يحذرنا من عبادة الأوثان فقط، بل من الأوثان ذاتها في (1يو21:5)[49].

[2] الأيقونات والتجسد:
لم يخبرنا الوحي المقدس أن إحدى أهداف تجسد ابن الله، هو أن يعطي نموذجاً للرسامين والنحاتين ليرسموه[50]! بل يرى الباحث، أن تجسد ابن الله يحوي رسالة قوية ضد الأيقونات! فالله صار بشراً واقترب إلينا (يو14:1) عاملاً الصلح بدم صليبه (كو20:1)، ليسكن في قلوبنا بروحه إلى الأبد (يو16:14-17) ويصبح بذلك أقرب من أنفسنا إلينا. وذات هذا المعنى عبر عنه "لكتنتيوس-Lactantius" (من مسيحيي القرن الثالث) بقوله:
"يعد تصوير شخص مهم لنا حين يكون بعيداً، ولكن لن يكون هكذا حينما يكون في متناول اليد! هكذا الأمر بالنسبة لله، الذي روحه وتأثيره يحيط بنا في كل مكان ولا يمكنه مطلقاً أن يكون غائباً عننا، فواضح جداً أن تصويره هو دائماً أمر غير مهم!"[51].
ويرى الباحث أن المؤمن التقي لا ينتفع شيئاً ولا يبنى من رؤية صورة أو تمثال للمسيح[52]، إذ أننا "بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2كو7:5). وعلاقتنا مع الرب ومعرفتنا به هي عبر قنوات روحية لا جسدية (2كو16:5). "فالرب هو الروح.. ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآه نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (2كو17:3-18). وختاماً للقول نقتبس جزءاً مما قاله "لكتنتيوس-Lactantius" أيضاً عن الأيقونات:
"بلا شك، حيث توجد صورة لا توجد تقوى! فالتقوى تتكون من أمور إلهية، ولا يوجد شيء إلهي سوى في الأمور السماوية.. ولا يوجد أمور سماوية في أمور مصنوعة أرضية"[53]!

[3] هكذا فهمت الكنيسة في قرونها الأولى:
كما أن الحجج التي يقدمها المدافعون عن الأيقونات في العبادة لم تظهر سوى في وقت متأخر من التاريخ المسيحي؛ فقول البعض أن الأيقونات والتماثيل المسيحية تعود إلى العصر الرسولي، إنما هو إدعاء يفتقر إلى الأدلة التاريخية الدامغة. فالمسيحية نشأت من رحم اليهودية التي –بحسب قول العلامة أوريجانوس- لم يوجد فيها رسامين ولا صانعوا التماثيل، حيث أمر الناموس بإقصائهم منها. وبالتالي لم يكن لهذه الصناعة أي وجود"[54]. وحتى المسيحيين من أصل وثني في القرون الأولى، لم يقوموا برسم أيقونات أو صور؛ وذلك بسبب بغضتهم للأصنام وكل تصاويرها[55]. وإن كانت الأيقونات ضرورية في العبادة لحرص تلاميذ المسيح [الذين قضوا معه أكثر من ثلاث سنين وعرفوا ملامحه حقاً]، أن يجلسوا مع رسامين ليتركوا للكنيسة صورة دقيقة عن المسيح، بل على العكس رفضوا ذلك وبشدة[56]!
والمتتبع لتاريخ تطور الأيقونات في الكنيسة المسيحية، يمكنه بسهولة ملاحظة أن الرسومات المسيحية الأولى ظهرت في القرن الثاني الميلادي[57]. ولكنها كانت مقتصرة على بعض الرسومات الرمزية على بعض الكؤوس والفخاريات، كصورة حمل يحمل صليباً أو رمز السمكة الشهير أو صورة كرمة[58]. ففي القرون الأولى لم يسع المسيحيون إلى تمثيل شخص المسيح بقدر ما كانوا يسعون إلى التعبير عن حبه للبشرية عبر هذه الرموز[59]. وتعد جماعات الهرطقة الغنوسية في القرن الثاني أول من رسموا المسيح بالألوان في أيقونات واضحة[60]. فيكتب القديس ايريناوس عن ذلك قائلاً:
"هم يسمون أنفسهم غنوسيون، ويمتلكون أيقونات بعضها مرسوم والبعض الآخر مصنوع من مواد أخرى مختلفة. ويحتفظون بواحدة تشابه المسيح رسمها بيلاطس في الوقت الذي عاش فيه المسيح بينهم. وهم يكللون هذه الأيقونات وينصبوها عالياً بجوار صور فلاسفة العالم.. كما أن لهم وسائل أخرى لتكريم هذه الصور تتوافق مع نفس طريقة الأمم"[61].
ويعلق الأب متى المسكين على ذلك بقوله:
"كان تمادي الغنوسيون في توقير الأيقونات وتكريمها بالتبخير أمامها –منذ منتصف القرن الثاني- سبباً في إثارة المؤمنين وإجماع رأيهم على مهاجمة الصور وتحريمها تحريماً قاطعاً في الكنيسة. وقد قاد هذه الحركة كل لاهوتيي القرنين الثاني والثالث على وجه العموم، وعلى رأسهم إيرينيئوس وترتليان وأوريجانوس وجيروم وأغسطينوس من بعدهم"[62].
أما السعي لتحديد ملامح المسيح من قبل الفنانين، فقد ظهر في القرن الرابع[63]، وهو ما يسمى بالأيقونات الواقعية التي تمثل مشاهد من التاريخ الكتابي.  أما ظهور الأيقونات التي تمثل القديسين والآباء البطاركة، فقد ظهرت في القرن الخامس[64]. وفي ذات القرن الرابع الذي بدا يسود فيه جو من احترام الأيقونات[65]، عقد مجمع "ألفيرة- Elvira" في أسبانيا، الذي حرم فيه إقامة الصور في الكنائس[66]. وحين زاد تكريم الأيقونات بدءاً من القرن السادس، وصولاً إلى حد التطرف في القرن الثامن[67]؛ إندلعت حرب الأيقونات (726-780م) والتاسع الميلادي (813-843م) ، حيث رأى الأباطرة المسيحيين في ذلك الوقت أنه لا يصح التعبير عما هو فوق الطبيعة بالرسم والصور[68]. فلم يكن البروتستنت في القرن السادس عشر هم أول من رفضوا استعمال الأيقونات في العبادة.

 الخاتمة:

إن استخدام الأيقونات في العبادة يقودنا حتماً مع مرور الوقت إلى نوع من الوثنية التي ترفضها الكلمة المقدسة. كما أن استخدام الأيقونات في التعليم كوسائل إيضاح، عليه أن يكون بحذر مع التأكيد للعامة أن هذه ما هي إلا صوراً لتقريب المعنى ولا تمثل ملامح المسيح الحقيقية، ويجب ألا يقدم لها أي نوع من السجود أو التعبد. ومع كل تقديرنا لكافة الأعمال الفنية، تظل مجرد أعمال بشرية قابلة للصواب والخطأ وتحوي داخلها عيوب وضعفات، فيجب ألا نضفي عليها أي قدسية خاصة حولها.


[1] أسد رستم، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى الجزء الثاني. (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988)، 79
[2] يوسف سمير، فلسفة تاريخ العبادة. (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 98
[3] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 591
[4] البابا شنودة الثالث، اللاهوت المقارن الجزء الأول. (القاهرة: الكلية الاكليريكية للأقباط الأرثوذكس، 1991)، 173
[5] مجموعة من اللاهوتيين، التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. (جونيه: المكتبة البولسية، 1999)،701
[6] المرجع السابق، 700
[7] الكسندروس مطران حمص، تاريخ الكنيسة المسيحية. (طرابلس: مكتبة السائح، 1964)، 284
[8] المرجع السابق، 284
[9] يوسف سمير، فلسفة تاريخ العبادة. (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 106
[10] أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 263
[11] بيشوي مطران دمياط، هل نعبد الأصنام في الكنيسة القبطية. (القاهرة: دير القديسة دميانة بالبراري، 2010)، 22
[12] أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 265
[13] الكسندروس مطران حمص، تاريخ الكنيسة المسيحية. (طرابلس: مكتبة السائح، 1964)، 283
[14] بيشوي مطران دمياط، هل نعبد الأصنام في الكنيسة القبطية. (القاهرة: دير القديسة دميانة بالبراري، 2010)، 51
[15] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 576
[16] بيشوي مطران دمياط، هل نعبد الأصنام في الكنيسة القبطية. (القاهرة: دير القديسة دميانة بالبراري، 2010)، 19
[17] المرجع السابق، 23
[18] المرجع السابق، 18؛ أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 258
[19] البابا شنودة الثالث، اللاهوت المقارن الجزء الأول. (القاهرة: الكلية الاكليريكية للأقباط الأرثوذكس، 1991)، 170
[20] أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 261
[21] البابا شنودة الثالث، اللاهوت المقارن الجزء الأول. (القاهرة: الكلية الاكليريكية للأقباط الأرثوذكس، 1991)، 171
[22] بيشوي مطران دمياط، هل نعبد الأصنام في الكنيسة القبطية. (القاهرة: دير القديسة دميانة بالبراري، 2010)، 17
[23] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 579
[24] أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 260
[25] البابا شنودة الثالث، اللاهوت المقارن الجزء الأول. (القاهرة: الكلية الاكليريكية للأقباط الأرثوذكس، 1991)، 172؛ متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 579
[26] أحد رهبان دير القديس أنبا مقار، شرح سفر  الخروج. (القاهرة: دار مجلة مرقس، 2006)، 457
[27] يوسف سمير، فلسفة تاريخ العبادة. (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 95
[28] أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية. (بيروت: منشورات النور، 1997)، 261
[29] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 54
[30] الكسندروس مطران حمص، تاريخ الكنيسة المسيحية. (طرابلس: مكتبة السائح، 1964)، 285
[31] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 53
[32] Brian Schwertley, "Are Pictures of Christ Unbiblical", site of Reformed online liberary. Published on 2003. Read on 06 February 2011. Available on http://www.reformedonline.com/view/reformedonline/Are%20Pictures%20of%20Christ%20Unbiblical.htm
[33] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 51 & 52
[34] ر. أالن كول، التفسير الحديث للكتاب المقدس سفر الخروج. (القاهرة: دار الثقافة، 1989)، 176
[35] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 58
[36] عيسى دياب، مدخل إلى تاريخ الكنائس الإتجيلية ولاهوتها. (لبنان: دار منهل الحياة، 2009)، 271
[37] Brian Schwertley, "Are Pictures of Christ Unbiblical", site of Reformed online liberary. Published on 2003. Read on 06 February 2011. Available on http://www.reformedonline.com/view/reformedonline/Are%20Pictures%20of%20Christ%20Unbiblical.htm
[38] Robert L. Reymond, "A Reformed View of Worship", Holy Trinity Presbyterian Church site. Read on 06 Febreuary 2011. Available on http://www.holytrinityopc.org/yahoo_site_admin/assets/docs/Worship_2.2163401.pdf
[39] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 352
[40] أحد رهبان دير القديس أنبا مقار، شرح سفر  الخروج. (القاهرة: دار مجلة مرقس، 2006)، 452-453
[41] عبد الحليم نور الدين، الديانة المصرية القديمة الجزء الثاني الكهنوت والطقوس الدينية. (القاهرة: المؤلف، 2009)، 40
[42] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 55
[43] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 352
[44] أسد رستم، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى الجزء الثاني. (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988)، 81
[45] Don Fleming, Bridge Bible Commentary. (Brisbane: Bridgeway Publications, 1994), 38
[46] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 352
[47] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 50-51
[48] ر. أالن كول، التفسير الحديث للكتاب المقدس سفر الخروج. (القاهرة: دار الثقافة، 1989)، 175
[49] John Calvin, Institutes of the Christian religion. Translated by Henery Beveridge. (Massachusetts: Hendrickson publishers, 2009), 58
[50] عيسى دياب، مدخل إلى تاريخ الكنائس الإتجيلية ولاهوتها. (لبنان: دار منهل الحياة، 2009)، 271
[51] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 353
[52] عيسى دياب، مدخل إلى تاريخ الكنائس الإتجيلية ولاهوتها. (لبنان: دار منهل الحياة، 2009)، 271
[53] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 354
[54] A Dictionary of early Christian beliefs. 352
[55] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 582
[56] Brian Schwertley, "Are Pictures of Christ Unbiblical", site of Reformed online liberary. Published on 2003. Read on 06 February 2011. Available on http://www.reformedonline.com/view/reformedonline/Are%20Pictures%20of%20Christ%20Unbiblical.htm
[57] يوسف سمير، فلسفة تاريخ العبادة. (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 91
[58] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 583
[59] مجموعة من الآباء الكاثوليك، تاريخ الكنيسة المفصل الجزء الأول. (بيروت: دار المشرق، 2003)، 204
[60] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 583
[61] David W. Bercot, A Dictionary of early Christian beliefs. (Massachusetts: Hendrickson Publishers Inc., 1998), 351
[62] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 583
[63] مجموعة من الآباء الكاثوليك، تاريخ الكنيسة المفصل الجزء الأول. (بيروت: دار المشرق، 2003)، 204
[64] متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية. (وادي النطرون: دير القديس انبا مقار، الطبعة السابعة 1995)، 584-585و587
[65] الكسندروس مطران حمص، تاريخ الكنيسة المسيحية. (طرابلس: مكتبة السائح، 1964)، 283
[66] أسد رستم، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى الجزء الثاني. (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988)، 81؛ يوسف سمير، فلسفة تاريخ العبادة. (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 105
[67] أسد رستم، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى الجزء الأول. (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988)، 415
[68] أسد رستم، كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى الجزء الثاني. (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1988)، 80-81

No comments:

Post a Comment